الطبراني

428

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

ويقال : إنّهم لما قالوا لنوح عليه السّلام : إن هؤلاء إنما آمنوا بك ، واتّبعوك في ظاهر ما ترى منهم ، أجابهم نوح بهذا ، فقال : لا أقول لكم عندي خزائن اللّه ، يعني غيوب اللّه التي يعلم منها ما تضمره الناس ، فلا أعلم الغيب ، ولا أعلم ما يسرّونه في أنفسهم ، فسبيلي قبول إيمانهم الذي ظهر لي ، ومضمراتهم لا يعلمها إلّا اللّه . قوله تعالى : وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ؛ هذا جواب لقولهم : ما نراك إلا بشرا مثلنا ؛ أي لا أدّعي أنّي ملك نزلت إليكم من السّماء . قوله تعالى : وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً ؛ أي لا أقول للذين تحتقر أعينكم وتستصغر : لن يؤتيكم اللّه صلاحا في الدّنيا وفلاحا في الآخرة ، يعني المؤمنين الذين قالوا : هم أراذلنا . قوله تعالى : اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ ( 31 ) ؛ أي إن طردتّهم تكذيبا ، الظاهر إيمانهم . قوله تعالى : قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا ؛ أي قالوا : يا نوح قد خاصمتنا فيما دعوتنا إليه من دين غير آبائنا ، فأكثرت خصومتنا ودعاءنا ، فلا نقبل منك ، فَأْتِنا بِما تَعِدُنا ، أي بما تعدنا أنّ اللّه يعذّبنا على الكفر ، إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 32 ) ؛ أراد بهذا القول أن يلبسوا على ضعفائهم أنّ نوحا عاجز عن إنزال العذاب بهم . قوله تعالى : قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ ؛ أي إن العذاب ليس بيدي ، ولكنّ اللّه هو الذي يقدر عليه ، فينزله عليكم إن شاء ، وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ( 33 ) ؛ من إنزال العذاب بكم ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : [ إنّ نوحا عليه السّلام كان إذا جادل قومه ضربوه ، فإذا أفاق قال : اللّهمّ اهد قومي ؛ فإنّهم لا يعلمون ] « 1 » . قوله تعالى : وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ ؛ معناه : قال لهم : لا ينفعكم دعائي ، وتحذيري إيّاكم إن أردت أن

--> ( 1 ) أخرجه الطبري في جامع البيان : تفسير الآية ( 40 ) عن عبيد بن عمير الليثي في الرقم ( 14009 ) .